-
رنا البايع -
في سابقة خطيرة أثارت موجة عارمة من القلق والغضب في الأوساط التربوية والشعبية، أقدم مجهولون على إلقاء قنبلة حارقة من نوع "مولوتوف" على مدخل "ثانوية البيان الإسلامية" في منطقة أبي سمراء بطرابلس.
اقتصرت أضرار الاعتداء على الماديات ومن دون تسجيل أي إصابات، لكن لم يمرّ الحادث كواقعة عابرة، بل فجّر استياءً واسعاً كونه يمثّل اعتداء سافراً على صرح تربوي يحمل رسالة العلم والأمان. واستدعى الأمر استنفاراً وتحركاً حازماً وسريعاً من الأجهزة الأمنية والقضائية المعنية لكشف هوية الفاعلين وسوقهم إلى العدالة.
بعد التحريض قنبلة
تقاطعت المعلومات حول خلفيات هذا الهجوم، إذ تبين أنه جاء في سياق ردود أفعال مشحونة أعقبت نشر المدرسة مقطع فيديو عبر منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، يتناول استبيان موضوع الاختلاط بين الذكور والإناث، ممّا أثار حفيظة بعض الجهات المتشددة في المنطقة.
وكان الأبرز في هذا السياق، الحملة التي قادها الطبيب (م. ق) عبر صفحته الشخصية، اذ شنّ من خلالها حملة تخوين وتشويه على المدرسة وإدارتها. ووجّه اتهامات قاسية للمسؤولين عن الصرح التربوي، مدعياً "خروجهم عن الدين"، وطالب دار الإفتاء بالتّدخل الفوري بحجة أن الثانوية حادت عن جوهرها الإسلامي الأساسي.
ووفقاً للمعطيات الميدانية، فإن هذا المناخ التحريضيّ دفع ببعض الشبان المتأثرين بهذه الخطابات إلى ترجمتها ميدانياً عبر إلقاء القنبلة الحارقة بهدف الترهيب وإيصال رسالة تهديد مباشرة. فردّت إدارة "ثانوية البيان الإسلامية" معتبرةً أن هذا الاعتداء ليس وليد اللحظة، بل يأتي تتويجاً لحملة ممنهجة ومستمرّة تعرّضت لها المؤسسة خلال الفترة الماضية.
التحوّل الكبير
تواجه ثانوية "البيان الإسلامية"، شأنها شأن المؤسسات التربوية ذات الخلفيات الدينية، تحدّيات جسيمة في الموازنة بين الحفاظ على هويّتها الاسلامية والسعي الدائم لتقديم المادة العلمية المتطورة بما يواكب متطلبات الجيل الجديد على الصعيد التربوي والاجتماعي. وفي هذا السياق، تشهد الثانوية تحوّلاً جذرياً في بنيتها التعليمية والأنشطة المرافقة لها والتي لاقت قبولاً في المجتمع المحلي، وهذا ما أدى إلى الإقبال المتزايد على التسجيل والارتياح لدى أولياء الأمور. وهو ما وضعها في مواجهة مباشرة مع تيارات متشددة كانت مشاركة في المشهد التربوي للمؤسسة في سنوات سابقة.
في حديث خاص لـِ "المدن" حول خلفيات هذا التوتر، يوضح المدير العام للثانوية الدكتور عبد الكريم الشعراني أن المؤسسة انطلقت منذ نحو خمس أو ست سنوات في ورشة عمل شاملة لإعادة هيكلة وتنظيم المشروع التربوي، وركّزت في رؤيتها على الإنتقال بالمدرسة إلى نموذج "التعليم الموجّه نحو المهارات"(Skills-oriented school)، مفسحة المجال أمام تنوّع الأنشطة وتطوير مواهب الطلاب والأطفال ضمن مناخ يتميّز بإفساح المجال لإبراز مواهبهم ومهاراتهم ضمن الرؤية التربوية المتوازنة التي تهدف الإدارة لتحقيقها.
استحدثت المدرسة نوادٍ تفاعلية عدّة لاستقطاب الطلاب، ومن دون إلغاء النوادي الثابتة التي تعزّز الثقافة الدينية وحفظ القرآن الكريم، أبرزها: نادي الصحافة، ونادي الفنون، بالإضافة إلى نادي الإعلام الذي يدير منصة مدرسة "بي تي في"(BTV) . وقد نجحت هذه المنصة مؤخراً في تقديم محتوى إعلامي حظي بتداول واسع وثقة كبيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي. مما أسهم بشكل مباشر في إنعاش صورة المدرسة واستقطاب جيل جديد من الطلاب، لتصبح التجربة، بحسب الشعراني، رائدة ومن بين الأكثر تميّزاً على المستوى التربوي في لبنان.
عواقب الاختلاف
لم يمرّ هذا النجاح والتحوّل نحو الإنفتاح من دون عقبات لكن مصلحة الطلاب أوّلاً، هكذا تؤكد الإدارة التي تسعى دوماً للتطوير بهدف تحقيق الرؤية والرسالة. وترى أن الإختلاف على بعض المسائل الفقهية والشرعية لا يمنح أحداً حقّ التخوين والتحريض الذي تعاني منه الثانوية والقيّمون عليها منذ نحو عامين ضمن حملات منظّمة عبر الإنترنت، من جهات وأشخاص أكثرهم لا يمتّون إلى المدرسة بصلة، ويتبنون فكراً إسلامياً متشدّداً. ويرى هؤلاء المعترضون أن إدخال الفنون والإعلام الحديث يعدّ خروجاً عن المنهج الإسلامي الذي أسّست المدرسة عليه.
وفي الرّدّ على هذه الإتهامات، يؤكّد الشعراني أن "ما تشهده المدرسة ليس خروجاً عن القيم الإسلامية، بل هو خروج عن "الصورة النمطية المتشدّدة" التي أُلبست للمدرسة في مراحل سابقة".
ويشدّد على أن الدين الإسلامي، في جوهره المنفتح، يتّسع لهذه الأنشطة التطويرية، معتبراً أن الرسالة التربوية للمدرسة لا تنحصر في البعد الديني الفقهي فحسب، بل هي منظومة متكاملة تشمل الأبعاد الوطنية، والتربوية، والتطويرية لبناء شخصية الطالب.
"إنّ محاولة جعل البعد الديني المتزمّت متحكّماً في التفاصيل التربوية كافة هو ما ينتج حالات التشدّد التي تعيق تطوّر المؤسسات والمجتمعات"، يتابع الشعراني.
ويؤكّد أن "الإعتدال هو منهج الأكثرية في مدينة طرابلس وكذلك المؤسسات التعليمية التابعة لوزارة التربية والتعليم العالي في لبنان".
تحرّك رسمي وقضائي
ورأت إدارة الثانوية أنّ الإعتداء يجب أن يكون مناسبة لشجب دار الفتوى لأعمال العنف تحت أي مسمىً، خصوصاً إذا كان المستهدف مؤسسة تربوية عريقة وعليها أن تأخذ دورها في إصدار فتاوى واضحة في هذا الشأن منعاً لحصول حوادث مشابهة للمؤسسات في مدينة طرابلس.
وفي هذا السياق، وبهدف السعي لتقديم وجهات النظر كافة، تواصلت المدن مع سماحة المفتي محمد إمام للوقوف على رأيه الفقهي والإداري، لكنّها لم تلقَ جواباً. وفضّل مسؤول في دار الفتوى عدم التعليق رسمياً على الحادثة معتبراً أن عدم إثارتها يساهم في محاصرة القضية والحؤول من دون تضخيمها إعلامياً.
وعلمت "المدن" أنّ إدارة الثانوية بدأت بالفعل تحرّكات رسمية بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والقضائية، حيث تكمن الأولوية الحالية كشف الهوية القانونية للمحرّضين الفعليين والجهات التي تقف وراء الكواليس لتوجيه هذه الحملات، متجاوزين مجرّد ملاحقة الأفراد الظاهرين في الواجهة أو الأدوات التنفيذية. وبانتظار الكلمة الفصل للقضاء، اتخذّت المدرسة إجراءات إحترازية مشدّدة لحماية المجمّع التربويّ وضمان استمرار العام الدراسيّ بثبات من دون تراجع عن مشروعها التطويري.
-